يقين أم موسى

بقلم هاني مراد

هل يعقل أنها إذا خافت عليه، تلقه في اليم؟

بعد حملها له شهورا تسعة كاملة، تنتظره بشوق حينا وحينا بخوف، ولربما تمنت لو لم يخرج إلى هذه الدنيا إنْ كان ذكرا؛ فهي تعلم مصيره الذي يؤول إليه.

هذي هي حال أم موسى: ضعيفة، لكن بيقينها قوية، فقيرة، لكنبقينها غنية، عاجزة، لكن بقينها، يجعل الله لها مخرجا!

ثم تضع الأم وليدها، ويرتجف قلبها، ولا تدري ما يحدث لها. أيُعقل أنْ تُحرم من وليدها، وهي التي لم تقر به عينها بعد؟

يعتصرها الألم والخوف، وتسكن قلبها مرارة الانكسارلأنَّها في أقسى حالات الضعف البشري أمام ذلك الطاغية. ولكن القلب المؤمن مهما اعتراه الخوف والألم، ومهما شعر بمرارة الانكسار وضعف الحيلة، لديه إلهمقتدر يلجأ إليه ويبكي بين يديه، يوقن فيه، ويتوكل عليه، ويسلم أمره إليه.

ويستجيب الله لدعائها، فيوحي إليها أنْ تقذف وليدها في اليم!

وما بين سيف فرعون ومخاطر اليم عالم من الخوف يعتري قلب الأم، ولكنَّ الخوف يتبدد في لحظة احتضان اليقين في الله لقلبها، ويحمي الله نبيه ويلتقطه آل فرعون ليُربَّى في أعظم قصور مصر!

تطمئن الأم على وليدها، ويعجز اللسان عن شكر ربها، ولكن يبقى اختبار آخر، وألم لا يعرف مداه سوى أمّ قُدر لها أن تُحرم من صغيرها الذي لم ترتو من حبه بعد!

تشهد تلك اللحظة الحرجة التي تضيق فيها الأرض بما رحبتْ على أم موسى، انبلاج فجراليقين، وتتغير في لحظة واحدة كل مجريات الأمور، فلا يقبل الرضيع غير ثدي أمه بديلا، فيرده الله إليها، ويقر به عينها، ويبدل حزنها فرحا، وخوفها أمنا، وشقاءها سعادة، واضطرابها سكينة، ويحفظ لها وليدها، بعبادة اليقين!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *