تجريف العقول

بقلم هاني مراد

تعمد الدول القوية إلى تجريف العقول في الدول الضعيفة، حتى لا يبقى لها سبيل مقاومة. فإلى جانب هجرة العقول من الدول الخاضعة إلى الدول القوية، تعمل الدول القوية على تجريف ما بقي من عقول داخل الدول التي تخضعها.

ومن مظاهر هذا التجريف، إضعاف حضارة الدول الضعيفة، لأن هذه الحضارة هي مبعث قوتها. فتعمد الدول القوية إلى ذلك، عن طريق إضعاف اللغة والتعليم، وتشويه القدوات، ومحو تراث وهوية الدول الضعيفة، وقطع كل صلة لها بمبعث قوتها.

وقد رأينا كيف فعل التتار بمكتبة بغداد، والصليبيون بمكتبات غرناطة وطليطلة وبلنسية وسرقسطة وأشبيلية، وفي مكتبات طرابلس الشام، وكيف فعلت أمريكا الأمر نفسه في العراق، حين استولت على متاحفه! كما رأينا كيف فرضت فرنسا لغتها على بلاد المغرب، وكيف حاربت بريطانيا اللغة العربية في مصر.

ورأينا كيف يشوه الاحتلال القدوات، فيصف كل مقاومة بأنها إرهاب! فكانت بريطانيا وإيطاليا وفرنسا تصف أحمد عرابي وعمر المختار وعبد القادر الجيلاني، بأنهم إرهابيون مخربون!

كما تعمد الدول القوية إلى السيطرة على إعلام الدول الضعيفة، لتشن حروب تشويه المفاهيم والأفكار، وتشويه التاريخ، وإبراز زعامات غير حقيقية، تهدف إلى تحويل مسار المقاومة الحقيقية، أو شق صفها. وقد رأينا كيف أعدم نابليون رجال المقاومة المصرية، وعين ديوانا من تأليفه لتسيير شؤون مصر.

كما تعمد الدول القوية إلى إضعاف التعليم في الدول الضعيفة، فتحرمها قسراً من دراسة وتطبيق العلوم التكنولوجية الدقيقة.

وحتى لا تفكر عقول الدول الضعيفة، تتبع الدول القوية سياسة منظمة لإفقار الدول الضعيفة وحرمانها من مواردها، والاستيلاء على خيراتها، فينشغل مواطنو الدول الضعيفة بسد ضرورات حياتهم.

لكن الخلل الأكبر يكمن في مدى الاستسلام الذاتي لدى الشعوب لسياسة تجريف العقول. فقد رأينا أن الهزيمة العسكرية لم تحرم اليابان أو ألمانيا أو إيطاليا من مواصلة تقدمها؛ بل وريادتها العلمية، ولم يحرم الفقر سنغافورة وماليزيا من التقدم.

وأولى خطوات مقاومة تجريف العقول، تحلي الشعوب الضعيفة بالعلم والمعرفة والوعي لما يراد ويفعل بها، فبعد المعرفة تأتي المقاومة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *